×
آخر الأخبار

الرحمات تكتب : اضطراب طيف التوحّد… ما وراء التشخيص

الرحمات تكتب : اضطراب طيف التوحّد… ما وراء التشخيص
22 الإعلامي   -

بقلم: الباحثة هديل فهد الرحمات

عندما نسمع كلمة «التوحّد»، قد يتبادر إلى الأذهان تلك الكلمة المناطه بالتشخيص والأعراض والسلوكيات المختلفة، لكن خلف هذا المصطلح طِفلٌ ككيان مكتمل؛ له شخصيته، ومشاعره، واحتياجاته، ونقاط قوته ونقاض ضعفه، وطريقته الخاصة في التواصل والتعبير عن ذاته ومجتمعه.

ومن هنا، فإن فهم اإضطراب طيف التوحّد لا ينبغي أن يتوقف عند معرفة خصائصه، بل يبدأ من محاولة الفهم ذاك الطفل لنفسه.

وقد لا يتواصل بعض الأطفال بالكلمات، وقد يعبّرون عن احتياجاتهم من خلال السلوك أو وسائل التواصل البديلة. وقد يجد بعضهم صعوبة في التفاعل الاجتماعي، أو يتأثرون بالأصوات والاضواء والضوضاء والملمس المحسوس بصورة مختلفة. هذه الاختلافات ليست دليلًا على غياب المشاعر أو ضعف القدرة على التعلم، وإنما هي مؤشرات تخبرنا بأن الطفل يحتاج إلى طريقة مختلفة في فهمه وتعليمه.

وهنا تظهر أهمية التربية الخاصة؛ فالمهمة ليست أن نجعل جميع الأطفال متشابهين فهذا يستحيل للفروق بين طفل واخر، وإنما أن نكتشف الطريقة التي يتعلم بها كل طفل، ونبني عليها.

وفي التدخل المبكر ليس مجرد تدريب على مجموعة من المهارات، بل هو استثمار في مستقبل الطفل. وكلما بدأ التدخل بصورة مناسبة، وبناءً على احتياجات الطفل الفردية، أصبح بالإمكان توفير فرص أفضل لتطوير التواصل، والمهارات الاجتماعية، والاستقلالية، والمهارات الأكاديمية والحياتية.

لكن نجاح التدخل لا يعتمد على الأخصائي وحده.

فالأسرة هي الجزء الأكثر حضورًا في حياة الطفل، ومشاركتها في البرامج التدريبية وتطبيق المهارات في البيئة المنزلية يمكن أن تجعل التعلم أكثر ارتباطًا بحياة الطفل اليومية. فالهدف الحقيقي ليس أن ينجح الطفل في جلسة تدريبية فقط، وإنما أن يستطيع استخدام ما تعلمه في البيت، والمدرسة، والمجتمع، وفي مواقف الحياة المختلفة.

ومن أهم التحولات التي نحتاجها في التعامل مع أطفال طيف التوحّد أن ننتقل من سؤال:
«كيف نغيّر هذا الطفل؟»
إلى سؤال أكثر موضوعية:
«كيف نفهم احتياجاته ونساعده على الوصول إلى أقصى ما يستطيع؟»

فالاختلاف لا يعني العجز، وتأخر بعض المهارات لا يعني غياب القدرة، والسلوك الذي قد يبدو لنا غير مفهوم قد يكون بالنسبة للطفل وسيلة للتعبير عن احتياج أو ضغط أو شعور لا يستطيع التعبير عنه بطريقة أخرى.

ولهذا، فإن التعامل مع الطفل من منظور إنساني وعلمي في الوقت نفسه أمر أساسي. نحتاج إلى أن نلاحظ السلوك، ونبحث عن أسبابه ووظيفته، ونختار الاستراتيجيات المناسبة، ونقيس تقدّم الطفل، ونعدّل تدخلاتنا عندما لا تكون مناسبة له.

والأهم من ذلك كله أن نتذكر أن وراء كل تشخيص إنسانًا.

كما إن طفل طيف التوحّد لا يحتاج إلى أن نختصره في تشخيص بناء على اعراض وتوابع وحقائق، ولا أن نقارنه باستمرار بأقرانه، ولا أن نضع سقفًا منخفضًا لتوقعاتنا تجاهه. هو يحتاج إلى بيئة تؤمن بقدرته ومنهم أسرة تشاركه رحلته، ومعلمين ومختصيين يرون إمكاناته قبل صعوباته.

وربما أجمل ما يمكن أن نفعله لأطفال طيف التوحّد هو أن نراهم كما هم، لا كما نريدهم أن يكونوا.

فحين نفهم الطفل قبل أن نحكم عليه، نبدأ فعلًا بالتغيير.