×
آخر الأخبار

الزعبي تكتب : ذوو الإعاقة.. حين نغيّر نظرتنا تتغيّر الحياة

الزعبي تكتب : ذوو الإعاقة.. حين نغيّر نظرتنا تتغيّر الحياة
22 الإعلامي   -

بقلم : تمارا الزعبي - اخصائية اضطرابات توحد / تربية خاصة

في كل مجتمع، هناك أشخاص لا يحتاجون إلى شفقة بقدر ما يحتاجون إلى فرصة، ولا ينتظرون من الآخرين أن يتحدثوا باسمهم، بل أن يُنصتوا إليهم ويؤمنوا بحقهم في أن يكونوا جزءًا فاعلًا من الحياة.

الأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا فئة هامشية في المجتمع، ولا تُختصر قصصهم في إعاقتهم. خلف كل شخص منهم إنسان يمتلك أحلامًا، وقدرات، وطموحات، وحقًا أصيلًا في التعليم والعمل والاستقلال والمشاركة وصنع القرار.

المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في الإعاقة نفسها، وإنما في الحواجز التي يصنعها المجتمع؛ مبنى لا يراعي سهولة الوصول، مدرسة لا تملك البيئة الدامجة، فرصة عمل تُغلق أبوابها بسبب تصور مسبق عن القدرة، أو نظرة تختزل الإنسان في اختلافه بدل أن ترى إمكاناته.

ومن هنا، فإن بناء مجتمع شامل لا يبدأ من تقديم المساعدة فقط، بل يبدأ من تغيير النظرة.

فالتعليم الدامج ليس مجرد وجود الطالب ذي الإعاقة داخل الصف، وإنما توفير البيئة التي تمكنه من التعلم والمشاركة والتطور وفق احتياجاته وقدراته. والعمل ليس مجرد وظيفة يحصل عليها الشخص، وإنما حق وفرصة لإثبات الذات والمساهمة في التنمية والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن الدمج الحقيقي لا يعني أن نطلب من الأشخاص ذوي الإعاقة أن يتكيفوا وحدهم مع المجتمع، بل أن نعمل على تهيئة المجتمع نفسه ليكون أكثر قدرة على احتضان الاختلاف.

وهنا يأتي دور الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاعين العام والخاص. فكل جهة قادرة على إزالة حاجز، أو فتح فرصة، أو تغيير صورة نمطية، يمكن أن تكون جزءًا من صناعة واقع أكثر عدلًا وإنسانية.

ولوسائل الإعلام تحديدًا مسؤولية كبيرة؛ فالصورة التي تُقدَّم عن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرة على تشكيل وعي المجتمع تجاههم. لذلك، نحن بحاجة إلى إعلام لا يقدمهم بوصفهم “حالات” أو “قصص شفقة”، وإنما يسلط الضوء على إنجازاتهم وتجاربهم وحقوقهم، ويمنحهم مساحة حقيقية للتعبير عن أنفسهم.

إن احترام الأشخاص ذوي الإعاقة لا يكون في مناسبة سنوية، ولا في منشور عابر، ولا في كلمات جميلة فقط؛ بل يظهر في التفاصيل اليومية: في طريقة الحديث، وفي تصميم الأماكن، وفي فرص التعليم، وفي سوق العمل، وفي إتاحة المعلومات، وفي إشراكهم في القرارات التي تمس حياتهم.

إن المجتمع المتقدم ليس هو الذي يخلو من الاختلاف، بل هو الذي يعرف كيف يتعامل مع الاختلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من التنوع الإنساني.

لذلك، فإن قضيتنا اليوم ليست: كيف نساعد الأشخاص ذوي الإعاقة؟

بل السؤال الأهم هو:

كيف نبني مجتمعًا لا يضطر فيه أي إنسان إلى طلب حقه في أن يكون حاضرًا، متعلمًا، عاملًا، منتجًا، ومستقلًا؟

عندما ننتقل من ثقافة الشفقة إلى ثقافة الحقوق، ومن العزل إلى الدمج، ومن النظر إلى الإعاقة إلى النظر إلى الإنسان وقدراته، فإننا لا نغيّر حياة الأشخاص ذوي الإعاقة وحدهم، بل نرتقي بالمجتمع بأكمله.

فكل إنسان يستحق أن تُرى قدرته قبل إعاقته، وأن يُسمع صوته قبل أن يتحدث الآخرون عنه، وأن تُفتح أمامه الأبواب بدل أن تُبنى أمامه الحواجز.

لأن الاختلاف لا يقلل من قيمة الإنسان، وإنما الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع هذا الاختلاف هي التي تصنع الفارق