×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : مجد عبد اللطيف العرود

العرود يكتب : الملك قالها من نيويورك : لا تخلّوا فلسطين … والسكوت مش حياد

العرود يكتب : الملك قالها من نيويورك : لا تخلّوا فلسطين … والسكوت مش حياد
22 الإعلامي   -

بقلم : مجد عبد اللطيف العرود

في قاعة الأمم المتحدة ، حيث تتقاطع مصالح الدول وتُصاغ المواقف بلغة دبلوماسية محسوبة، اختار جلالة الملك عبدالله الثاني أن يقول ما يراه الأردن حقيقة لا تحتمل التجميل : ما يجري في فلسطين لم يعد أحداثاً متفرقة ، وما يحدث في غزة لا يمكن فصله عما يجري في الضفة الغربية وهنا تكمن أهمية خطاب الملك.
فجلالته لم يتحدث عن غزة باعتبارها ملفاً إنسانياً فقط ، ولم يختزل القضية الفلسطينية في مشهد الحرب والدمار، وإنما وضع أمام العالم صورة أوسع : هناك واقع جديد يُفرض على الأرض ، من خلال التهجير والاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاولات تغيير الجغرافيا ، بما يهدد إمكانية قيام الدولة الفلسطينية ،  وهذه واحدة من أهم الرسائل التي حملها الخطاب؛ أن التعامل مع كل حدث على أنه حادث منفصل قد يجعل العالم يغفل عن الصورة الكبرى
الملك قالها بوضوح : غزة والضفة الغربية وجهان لاستراتيجية واحدة ، وإن كان الأسلوب مختلفاً؛ تدمير في غزة ، وتوسع استيطاني وضم فعلي للأراضي في الضفة الغربية
عندما تحدث جلالة الملك عن الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية ، لم يكن يتحدث عن فلسطين وحدها فالرسالة كانت إقليمية بامتياز
والأردن بحكم موقعه وحدوده ومصالحه وأمنه المائي ، ينظر إلى التطورات في المنطقة باعتبارها مترابطة  ولهذا ربط الملك بين ما يجري في فلسطين وما يحدث في جنوب سوريا ، محذراً من أن استمرار النهج التوسعي يمكن أن يتحول إلى تهديد يتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية وهنا تظهر خصوصية الموقف الأردني : الأردن لا يريد حرباً ، ولا يبحث عن مواجهة ، لكنه في الوقت ذاته يقول إن الدبلوماسية لا تعني التنازل عن الأمن الوطني ، وإن الهدوء لا يعني الصمت أمام ما يعتبره تهديداً مباشراً لمصالح المملكة
ومن القدس إلى عمان ، هناك تاريخ طويل من الحضور الهاشمي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة وفي خطابه ، جدد الملك التأكيد على استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وهذه ليست عبارة بروتوكولية عابرة
فالقدس بالنسبة إلى الأردن قضية سياسية ودينية وتاريخية ، والوصاية الهاشمية تمثل أحد الثوابت التي تؤكد المملكة استمرار التزامها بها ولذلك فإن الحديث عن القدس في الخطاب الملكي يأتي ضمن سياق أوسع : حماية هوية المدينة ومقدساتها ، ودعم صمود الفلسطينيين ، والتمسك بحل سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية
ومن الرسائل اللافتة أيضاً أن جلالة الملك رفض اختزال الصراع في إطار ديني فالخطاب أكد أن القضية ليست حرباً بين الإسلام واليهودية أو المسيحية ، وإنما تتعلق بحقوق الفلسطينيين ، مسلمين ومسيحيين ، في التمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها الآخرون
وهذه نقطة مهمة ؛ لأن تحويل الصراع السياسي والقانوني إلى صراع ديني يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب ، بينما الموقف الأردني يضع القضية في إطار الحقوق والقانون الدولي والعدالة والسلام
فكانت كلمة من قلب الأردن إلى العالم
اللافت في خطاب الملك أنه جمع بين لغة الدبلوماسية ولغة التحذير ، الأردن يقول للعالم : نحن مع السلام ، ومع الحوار، ومع الاستقرار، لكن السلام لا يمكن أن يعني أن يصبح الاحتلال أمراً دائماً ، أو أن تتحول القرارات الدولية إلى مجرد أوراق ، أو أن يصبح التهجير واقعاً طبيعياً ولهذا كان حديث الملك عن أن التقاعس الدولي ليس مجرد عجز، بل يمكن أن يتحول إلى خيار عندما تتوافر أدوات الضغط ولا تُستخدم وهنا تأتي قوة الرسالة الأردنية : لا أحد يستطيع أن يقول إن العالم لم يكن يعرف ما يحدث
لقد تحدث الأردن، وحذر، ودعا إلى السلام ،  واستمر في دعم الفلسطينيين ، وفي الوقت ذاته أكد أن أمن الأردن ومياهه وحدوده خطوط لا يمكن التعامل معها باستخفاف وهذه هي الرسالة الأهم وراء كل الكلمات ، يمكن قراءة رسالة واحدة واضحة:  الأردن لا يريد أن يرى المنطقة تنزلق إلى المزيد من الحروب ، لكنه لن يتعامل مع التوسع والتهجير وتغيير الحقائق على الأرض باعتبارها أموراً عابرة

وهذا يفسر حضور القضية الفلسطينية بقوة في الخطاب الملكي ، ويشرح لماذا بقيت القدس والوصاية الهاشمية ودعم صمود الفلسطينيين في صلب الموقف الأردني ، لقد تحدث الملك من نيويورك ، لكن كلماته كانت موجهة إلى عواصم العالم وإلى الرأي العام الدولي معاً
تحدث بلغة الدولة التي تعرف أن موقعها الجغرافي يجعلها في قلب الأحداث ، وأن استقرارها مرتبط باستقرار المنطقة ، وأن القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن ليست خبراً على شاشة ، وإنما قضية تاريخ وجغرافيا وأمن ووجدان
وفي النهاية ، ربما كانت أكثر الرسائل وضوحاً هي أن السلام الحقيقي لا يبنى على تجاهل الألم ، ولا على فرض الأمر الواقع ، ولا على تحويل الاحتلال إلى حقيقة دائمة ومن هنا ، جاء خطاب الملك ليضع أمام العالم السؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية: إلى متى تبقى القرارات الدولية حاضرة في الخطب وغائبة عن الواقع؟
ففلسطين لا تحتاج إلى مزيد من البيانات وحدها ، والمنطقة لا تحتمل مزيداً من التأجيل ، والقدس لا يمكن فصلها عن تاريخها ومقدساتها وهويتها أما الأردن، فيقول موقفه بوضوح:
نحن مع السلام ، لكن السلام الذي يحفظ الحقوق ، ويصون الكرامة ، ويوقف التهجير، ويحمي القدس، ويضمن للفلسطينيين حقهم في دولة قابلة للحياة