بقلم: عبد الله مصطفى السعود
ليست قيمة الخطاب السياسي في اللحظة التي يلقى فيها فقط، وإنما فيما يكشفه من رؤية لما بعدها. ومن هذه الزاوية، فإن خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد عرض للموقف الأردني تجاه أزمات المنطقة، بل كان تعبيراً عن رؤية دولة تدرك حجم المخاطر من حولها، وتصر في الوقت نفسه على أن تبقى عينها على المستقبل.
تحدث جلالة الملك بوضوح عن القضية الفلسطينية، وعن مسؤولية المجتمع الدولي، وعن التطورات المحيطة بالأردن، مؤكداً أن حماية أمن المملكة الأردنية الهاشمية وحدودها ومياهها ليست موضوعات قابلة للتأجيل أو المساومة. وفي ذلك امتداد لنهج أردني يقوم على قراءة الإقليم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
لكن الأهم أن الخطاب لم يضع الأردن في موقع المتلقي للأحداث. فقد ظهر الأردن فيه دولة تتحرك لحماية حاضرها، وتبني قدرتها على مواجهة ما قد يحمله المستقبل.
وهنا تتضح أهمية الأمن المائي الذي وضعه جلالة الملك في صلب الأمن الوطني. فالمياه في الأردن ليست ملفاً خدمياً أو تقنياً فقط؛ إنها قضية تمس الأمن الغذائي والزراعة والطاقة والصناعة والاستثمار، وبالتالي تمس قدرة الدولة على حماية استقرارها ومصالحها. وقد أكد جلالة الملك أن أي تهديد للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني.
وهذه الرؤية تفرض استمرار العمل على مشاريع المياه، وتقليل الفاقد، وتوسيع توظيف التكنولوجيا، ورفع كفاءة الإدارة، وربط الأمن المائي بالتخطيط الاقتصادي بعيد المدى، كما وأن الاقتصاد جزء من المعادلة نفسها.
فالأردن يمضي في مسار التحديث الاقتصادي، فيما لا يزال سوق العمل يواجه تحديات كبيرة؛ إذ بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21.0% في الربع الثاني من عام 2026، مقابل 16.1% لإجمالي السكان من الأردنيين وغير الأردنيين. ورغم انخفاض المعدلات مقارنة بالعام السابق، تبقى فرص العمل من أهم الاختبارات التي ستحدد قدرة الاقتصاد على تحويل التحديث إلى أثر ملموس.
وهنا لا يكفي أن نحدد القطاعات الواعدة، بل أن نبني اقتصاداً ينتج فرصاً، ويستقطب الاستثمار، ويوسع الصادرات، ويربط التعليم والتدريب بحاجات السوق. فالتحديث الاقتصادي لا تكتمل قيمته في الخطط، وإنما فيما يتحول منها إلى إنتاج وعمل ودخل وفرص جديدة.
وفي السياسة الخارجية، حافظ الخطاب على وضوح الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، ورفض تحويل الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم، بالتوازي مع حماية أمن المملكة ومصالحها. وهذه الثوابت لم تأت منفصلة عن الواقع الأردني، بل جاءت ضمن قراءة أشمل لمشهد إقليمي تتداخل فيه السياسة بالأمن والمياه والاقتصاد.
وهنا تحديداً تتجلى قوة الرؤية الملكية بعدم انتظار انتهاء أزمة للبدء بمعالجة أخرى، وعدم السماح لضغط الحاضر بأن يؤجل بناء المستقبل.
فالأردن يحتاج إلى حماية حدوده، كما يحتاج إلى حماية موارده؛ ويحتاج إلى دبلوماسية فاعلة، كما يحتاج إلى اقتصاد أكثر قدرة على إنتاج الفرص؛ ويواجه تحديات الإقليم، لكنه في الوقت ذاته مطالب بمواصلة مسار التحديث وبناء مؤسسات أكثر كفاءة.
لذلك، فإن السؤال بعد نيويورك ليس فقط ماذا قيل، وإنما كيف نقرأ ما قيل باعتباره خريطة أولويات للمرحلة المقبلة.
لقد وضع جلالة الملك أمام العالم ثوابت الأردن ومخاوفه ومصالحه، لكنه وضع أمام الداخل أيضاً صورة الأردن الذي لا ينتظر المستقبل، بل يستعد له.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا بأن تتحول الأولويات التي أكدها الخطاب إلى سياسات مستمرة، ومشاريع واضحة، ومؤشرات تقيس التقدم، ونتائج يشعر بها المواطن.
فما حمله خطاب الملك إلى العالم ليس رسالة لحظة، بل رؤية لمرحلة؛ ورؤية الأردن للمستقبل لا تقوم على انتظار ما سيحدث، وإنما على الاستعداد له وصناعة القدرة على مواجهته.
اسم الكاتب : عبد الله مصطفى السعود
السعود يكتب : خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة… ماذا بعد نيويورك؟
الأحد - pm 05:24 | 2026-09-27
22 الإعلامي -









