×
آخر الأخبار

الطعاني يكتب : التعلم البنائي: ضرورة حتمية في عصر الانفجار المعرفي

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. عدي الطعاني

تعد التحولات المتسارعة في المشهد المعرفي العالمي اليوم دافعاً رئيساً لإعادة النظر في فلسفة أدوار كل من المعلم والمتعلم داخل المنظومة التعليمية. فلم يعد تبني نموذج التعلم البنائي مجرد فكرة عابرة، بل أضحى ضرورة حتمية تفرضها طبيعة العصر ومستجداته؛ إذ إن التدفق المعلوماتي الهائل جعل من الدور التقليدي للمعلم كـ "ناقل للمعلومة" دوراً ثانوياً غير كافٍ أمام تدفق المعرفة الرقمية، مما يستوجب التحول الجذري نحو معلم يجيد هندسة بيئات التعلم وتوجيه عقول الطلبة لبناء معرفتهم ذاتياً وبشكل واعٍ، ونحو متعلمٍ يبني المعرفة، ويبحث عنها، ويستكشف آفاقها بنفسه.
وتتجلى هذه الحتمية في كون التعلم البنائي يمثل الجسر الحقيقي لتمكين الطلبة من امتلاك مهارات التفكير العليا؛ فالمعلم البنائي لا يقدم حقائق جاهزة، بل يصمم مواقف تعليمية تثير التحدي وتدفع المتعلم نحو البحث والاستقصاء. في هذا السياق، يتحول الصف الدراسي من قاعة للتلقين إلى حاضنة للإبداع والابتكار، يكون المعلم فيها ميسراً ومنظماً، ومحفزاً للفضول العلمي.
إضافة إلى ذلك، يمثل المعلم البنائي الركيزة الأساسية لبناء شخصية المتعلم المتكاملة؛ فهو يمنحه الثقة اللازمة لممارسة النقد والتحليل والتركيب، ويحول الخطأ من عائق إلى فرصة ذهبية لإعادة بناء التصورات الذهنية الصحيحة. إن التعلم وفق هذه الرؤية هو عملية بنائية نشطة، تبنى فيها المعرفة من خلال الخبرة الشخصية للمتعلم، مرتكزاً على مخزونه من الخبرات السابقة التي يُعاد تنظيمها وتشكيلها في تراكيب معرفية جديدة، مع بذل جهد عقلي مستمر في حل المشكلات واكتشاف الحقائق.
علاوة على ذلك، يعد التعلم البنائي عملية تعاونية اجتماعية بامتياز؛ حيث تُبنى المعرفة من خلال التفاوض الاجتماعي مع الآخرين للتوصل إلى حلول مشتركة ورؤى متفق عليها، مما يجعل المتعلم باحثاً مستقلاً ومسؤولاً تماماً عن نتاجه المعرفي. وبالتالي فإن الإيمان بحتمية النموذج البنائي يستوجب تبني رؤية شمولية تتجاوز حدود التنظير لتستقر في ميدان الممارسة التطبيقية الواعية.